top of page
Search

العمق في التعلّم: حين يتجاوز الفهم حدود المهمة

لماذا يبدو الفهم حاضرًا ثم يختفي؟

من أكثر المشاهد شيوعًا في الصفوف التعليمية أن يُظهر المتعلّم فهمًا جيّدًا في سياق معيّن، ثم يتراجع هذا الفهم فور تغيّر السؤال، أو اختلاف المهمة، أو الانتقال إلى موقف جديد.لا يكون السبب غالبًا ضعفًا في القدرة، بل طبيعة ما بُني من فهم.

الفهم الذي يرتبط بالمهمة وحدها يظل محكومًا بها.فإذا زالت المهمة، زال معه.

وهنا يظهر سؤال العمق:متى يصبح الفهم قادرًا على الاستمرار خارج السياق الذي نشأ فيه؟

العمق ليس مرحلة متقدمة… بل طبيعة مختلفة للفهم

يُساء فهم العمق أحيانًا بوصفه مستوى أعلى من الصعوبة، أو مرحلة لاحقة بعد إتقان الأساسيات.لكن العمق ليس “أكثر”، بل “أعمق”.

الفرق بين الفهم السطحي والفهم العميق لا يكمن في كمية المعرفة، بل في بنية المعرفة نفسها.

الفهم السطحي:

  • يعتمد على السياق

  • يحتاج إلى توجيه مستمر

  • يتفكك عند التغيير

  • ينجح في المهام المألوفة

أما الفهم العميق:

  • يقوم على تفسير لا على تذكّر

  • ينظّم التفاصيل تحت مبادئ

  • يحتمل التغيير دون أن ينهار

  • يُعيد إنتاج نفسه في سياقات جديدة

العمق، بهذا المعنى، ليس نهاية مسار التعلّم، بل تحوّل في طريقة اشتغال الفهم.

متى نعرف أن الفهم أصبح عميقًا؟

يصبح الفهم عميقًا حين لا يعود محتاجًا إلى السؤال ذاته كي يظهر.

يتجلّى العمق عندما يستطيع المتعلّم أن:

  • يشرح لماذا لا ماذا فقط

  • يميّز بين الفكرة وما يشبهها

  • يرى العلاقات لا العناصر المنفصلة

  • يختصر التعقيد في تفسير متماسك

  • يرفض تفسيرًا ضعيفًا حتى لو بدا صحيحًا ظاهريًا

عند هذه النقطة، لا يعود الفهم استجابة، بل موقفًا معرفيًا.

العمق وإعادة تنظيم المعرفة

المعرفة السطحية تتوسّع بالإضافة.أما المعرفة العميقة فتتطوّر بإعادة التنظيم.

حين تُقدَّم الأفكار دون تمييز بين ما يفسّر وما يُفسَّر، تصبح كل التفاصيل متساوية في الوزن، ويغيب البناء.أما حين تُنظَّم المعرفة حول أفكار تفسيرية كبرى، يصبح لكل تفصيل مكانه ووظيفته.

العمق لا يأتي من كثرة التفاصيل،بل من وضوح ما يُنظّمها.

العمق في الصف: ماذا يتغيّر فعليًا؟

عندما يصبح العمق غاية، يتغيّر منطق الصف.

لا يعود السؤال:هل أجاب المتعلّم؟بل:كيف فكّر؟ ولماذا اختار هذا التفسير؟

في الصف العميق:

  • تُطرح الأسئلة التي لا تُغلق سريعًا

  • يُسمح بإعادة التفكير لا مجرد التصحيح

  • يُنظر إلى الحيرة بوصفها بداية فهم

  • تُناقش الفكرة حتى تتماسك لا حتى تُنجز

العمق غالبًا ما يجعل التعلّم أهدأ، لكنه أكثر كثافة.

العمق والتقييم: ما الذي لا تكشفه النتائج؟

لا يُقاس العمق بنتيجة واحدة، ولا يُلتقط في لحظة.

النتائج قد تُظهر أداءً،لكن العمق يظهر في:

  • الاتساق عبر الزمن

  • القدرة على النقل

  • ثبات المنطق رغم تغيّر المهمة

  • سلامة التفسير عند غياب النموذج

تقييم العمق ليس إجراءً، بل قراءة.ويتطلب حكمًا مهنيًا يرى ما وراء الإجابة.

العمق في التراث العربي: الملكة قبل المهارة

في الثقافة العربية، ارتبط العلم بالملكة، لا بكثرة المحفوظ.

الملكة هي الفهم الذي صار طبيعة ثانية،والذي لا ينهار عند غياب النص أو المثال.

ولهذا حذّر العلماء من علم لا يُعاد بناؤه في العقل،ورأوا أن كثرة المسائل دون ترسيخ تخلق معرفة سريعة الزوال.

لم يكن العمق مطلوبًا للترف الفكري،بل لضمان بقاء الفهم واستقلاله.

اكتمال المسار: لماذا يأتي العمق أخيرًا؟

العمق لا يبدأ المسار، بل يختمه.

فلا عمق دون:

  • معنى يوجّه التعلّم

  • وكالة تمكّن الحكم

  • نمو يثبّت الفهم

  • دليل يكشف التفكير

لكن العمق هو ما يمنح كل ذلك قدرة على الاستمرار.

ولهذا تكتمل مبادئ M.A.G.E.D عنده:

  • المعنى يمنح التعلّم غايته

  • الاستقلالية تمكّن الحكم

  • النمو يثبّت الفهم

  • الدليل يكشف التفكير

  • العمق يجعل الفهم قابلًا للاستمرار


العمق ليس ما يظهر أولًا،بل ما يبقى حين يختفي كل ما سواه.

وحين يُبنى التعلّم على هذا الأساس،لا يعود الفهم حدثًا مؤقتًا،بل بنية قادرة على الحياة خارج الصف.

 
 
 

Comments


  • Linkedin
  • Youtube
bottom of page