top of page
Search

الاستقلالية في التعلّم: من التلقّي إلى التفكير المسؤول

الاستقلالية ليست تخلّيًا عن التوجيه

في الخطاب التربوي المعاصر، كثيرًا ما تُطرح الاستقلالية بوصفها قيمة إيجابية، لكنها تُفهم أحيانًا على أنها تقليل للتوجيه أو انسحاب من دور المعلم. ويُظن أن المتعلّم المستقل هو ذاك الذي يُترك ليعمل وحده، أو يُمنح حرية الاختيار دون إطار واضح.

غير أن هذا الفهم لا يصمد أمام التجربة التربوية ولا البحث التعليمي. فغياب التوجيه لا يعني بالضرورة حضور الاستقلالية، وقد يتحوّل الصف في هذه الحالة إلى مساحة ارتباك لا تفكير. الاستقلالية الحقيقية لا تنشأ من الفراغ، بل من بنية تعليمية تُنمّي التفكير وتُدرّب على الحكم المسؤول.

من هنا، تصبح الاستقلالية قضية تربوية تتعلّق بطبيعة التعلّم ذاته، لا بأسلوب إدارته فقط.

كيف نفهم الاستقلالية في سياق التعلّم؟

الاستقلالية في التعلّم تعني انتقال المتعلّم من موقع المتلقي إلى موقع المفكّر المشارك. وهي لا تعني الانفصال عن المعلم، بل تعني القدرة على الفهم، والتفسير، واتخاذ موقف معرفي مدعوم بالحجج.

يظهر المتعلّم المستقل عندما:

  • يفسّر الفكرة بلغته، لا يعيد صياغتها حرفيًا

  • يطرح أسئلة تُظهر فهمه، لا يبحث عن الإجابة الجاهزة

  • يراجع رأيه عند ظهور دليل جديد

  • يتحمّل مسؤولية ما يقول ويفهم

وفي المقابل، تظهر استقلالية المعلم في قدرته على ممارسة الحكم المهني: قراءة نواتج التعلّم، واتخاذ قرارات تعليمية تستند إلى الفهم لا إلى الإجراءات وحدها.

الاستقلالية، بهذا المعنى، ممارسة فكرية مشتركة، لا سمة فردية معزولة.

الاستقلالية في ضوء البحث التربوي

تشير الدراسات التربوية إلى أن التعلّم العميق لا يتحقق عبر التلقين أو الاتباع، بل عبر المشاركة الفاعلة في بناء المعرفة. فالتفكير يتطوّر حين يُتاح للمتعلّم أن يفسّر، ويقارن، ويجادل، ويعيد بناء فهمه.

كما تُظهر أبحاث التقييم التربوي أن غياب الاستقلالية المهنية لدى المعلم يحوّل التقييم إلى ممارسة آلية. وعندما يُختزل التقييم في أدوات جامدة، تُستبعد قراءة الأدلة قراءة تفسيرية، ويضعف دوره في دعم التعلّم.

وتنبه الفلسفة التربوية إلى مخاطر النظم التعليمية المفرطة في الضبط، حيث تُحدَّد الأهداف والوسائل وحتى طرائق الفهم مسبقًا، مما يقلّص فرص التفكير المستقل لدى المتعلّمين.

الاستقلالية في الممارسة الصفية وتصميم المنهج

عندما تُؤخذ الاستقلالية على محمل الجد، يتغيّر شكل الممارسة الصفية.

تُصاغ الأسئلة بحيث تدعو إلى التفكير لا إلى الاستجابة السريعة.وتُصمَّم المهام لتتطلب اتخاذ القرار وبناء الرأي، لا تنفيذ التعليمات فقط.ويُنظر إلى الخطأ بوصفه جزءًا من مسار الفهم، لا خللًا ينبغي إخفاؤه.

وفي التقييم، يتحوّل التركيز من التحقق من الالتزام بالمعيار إلى فهم كيفية تفكير المتعلّم وتطوّر فهمه عبر الزمن.

هذه الممارسات لا تُضعف النظام، بل تعيد توجيهه لخدمة التفكير والاستقلالية.

الاستقلالية في الثقافة العربية والإسلامية: تعدد في المنابع

بعد ترسيخ الاستقلالية بوصفها قضية تربوية عامة، يمكن النظر إلى حضور هذا المفهوم في الثقافة العربية والإسلامية من زوايا متعددة، لا من مصدر واحد، بوصفه إسهامًا معرفيًا أصيلًا في بناء العقل والتعلّم.

في القرآن الكريم، تتكرر الدعوة إلى إعمال العقل والتفكّر والنظر، وهي دعوة ترتبط بالمسؤولية المعرفية، لا بمجرد الامتثال. يقول تعالى:

قد تبيّن الرشد من الغي
وهي صيغة تؤكد وضوح المسار وإتاحة الاختيار القائم على الفهم، لا الفرض.

وفي علم أصول الفقه، يبرز مفهوم الاجتهاد بوصفه ممارسة عقلية قائمة على الاستقلال في النظر، ضمن ضوابط منهجية. وقد فرّق الأصوليون بوضوح بين الاتباع القائم على الفهم، والتقليد الذي يعطّل العقل ويُقصي الحكم.

أما ابن تيمية، فقد أكّد في عدد من كتاباته أن العلم الحقيقي هو ما يُثمر فهمًا وبصيرة، لا مجرد نقل، مشيرًا إلى أن العقل والنقل لا يتعارضان حين يُفهم كلٌّ في سياقه الصحيح.

وفي الفكر التربوي العربي، نجد عند ابن سحنون في كتابه آداب المعلمين اهتمامًا واضحًا بمراعاة قدرات المتعلّم، والتدرّج في التعليم بما ينمّي الفهم ولا يرهق العقل.

كما يقدّم ابن خلدون في المقدمة رؤية تربوية نقدية حين يحذّر من التعليم القائم على الحفظ والقهر، مؤكدًا أن الإكثار من المسائل دون تمهيد للفهم يفسد الملكات العقلية، بينما يسهم التدرّج وبناء المعنى في تنمية عقل قادر على التفكير المستقل.

وفي التراث اللغوي، يبرز علماء البلاغة مثل عبد القاهر الجرجاني والزمخشري في تأكيدهم أن المعنى هو غاية الكلام، وأن الفهم والتفسير شرط لكل ممارسة لغوية واعية، وهو ما يضع الاستقلالية الفكرية في صميم التعامل مع النص.

هذا التنوّع في المنابع يبيّن أن الاستقلالية لم تكن مفهومًا طارئًا على الثقافة العربية والإسلامية، بل قيمة معرفية تشكّلت عبر حقول متعددة، وتقاطعت مبكرًا مع ما نعدّه اليوم من أسس التعلّم العميق.

دلالات للمعلم والقائد التربوي

تنمية الاستقلالية في التعلّم تتطلب تحوّلًا في الأدوار المهنية.

فالمعلم مدعو إلى تصميم مواقف تعليمية تُنمّي التفكير، لا الاكتفاء بالشرح.والقائد التربوي مطالب بحماية مساحة الحكم المهني، وبناء ثقافة ثقة تسمح بالاجتهاد والتأمل.

الاستقلالية لا تُمنح، بل تُبنى عبر الممارسة.

الاستقلالية في التعلّم ليست شعارًا تربويًا، ولا خروجًا عن النظام، بل انتقالًا واعيًا من التلقّي إلى التفكير المسؤول.ومن دونها، قد يحدث التعلّم، لكنه يظل تابعًا.أما حين تُبنى الممارسات التعليمية على الاستقلالية، يصبح التعلّم فعلًا فكريًا حيًا، وتتحوّل المعرفة إلى تجربة ذات معنى.

 
 
 

1 Comment


Shoukry A. Latif
Dec 24, 2025

تحليل رائع يا دكتور، الاستقلالية لا تمنح ، بل تبني عبر الممارسة ، الاستقلالية تبنى حين يستطيع المعلم إعطاء طلابه مساحة للتفكير الحر ، وإعادة التفكير ، تبنى حين يؤمن المعلم بحق الطلاب في أن نعلمهم كيف يفكرون وكيف يستقلون

Like
  • Linkedin
  • Youtube
bottom of page