top of page
Search

المعنى بوصفه نقطة البداية في تصميم التعلّم

المعنى قضية تربوية قبل أن يكون خيارًا منهجيًا

في كثير من النظم التعليمية، يبدأ تصميم التعلّم من أسئلة إجرائية:ما المحتوى الذي يجب تدريسه؟ ما الأنشطة المناسبة؟ ما أدوات التقييم المطلوبة؟ويُفترض ضمنًا أن المعنى سيتشكّل تلقائيًا إذا نُفِّذت هذه العناصر بكفاءة.

غير أن التجربة التربوية، مدعومة بالبحث العلمي، تشير إلى أن هذا الافتراض غير دقيق. فالتعلّم قد يكون منظمًا دون أن يكون ذا معنى، وقد يكون نشطًا دون أن يفضي إلى فهم. وعندما لا يُصمَّم التعلّم حول المعنى منذ البداية، يتحوّل إلى أداء مؤقت، لا إلى بناء معرفي قابل للنمو والاستمرار.

من هنا، يصبح سؤال المعنى سؤالًا بنيويًا في التربية:أين نضع المعنى في عملية تصميم التعلّم؟

ما المقصود بالمعنى في التعلّم؟

المعنى في التعلّم لا يقتصر على جعل الدرس ممتعًا أو قريبًا من واقع المتعلّم، بل يتعلّق بقدرة المتعلّم على إدراك الغاية من المعرفة، وربط الأفكار ببعضها، وبناء فهم يتجاوز حدود المهمة أو النشاط.

قد يُنجز المتعلّم النشاط المطلوب دون أن يبني معنى.وقد يحفظ المفهوم دون أن يفهمه.ولهذا، لا يُقاس المعنى بما أُنجز، بل بما فُهِم، ولا بما قُدِّم، بل بما أُدرك.

المعنى يظهر عندما يستطيع المتعلّم أن:

  • يفسّر الفكرة بلغته الخاصة

  • يربطها بأفكار أخرى

  • ينقلها إلى سياق جديد

  • ويدافع عنها بحجّة مفهومة

المعنى في البحث التربوي المعاصر

تؤكد الأدبيات التربوية أن الفهم العميق لا يتحقق عبر تراكم المعلومات، بل عبر إدراك البنى المفاهيمية التي تنظّم المعرفة. تشير دراسات التعليم المفاهيمي إلى أن التعلّم يصبح أكثر ثباتًا وقابلية للنقل عندما يُبنى حول أفكار كبرى، لا محتوى مجزأ.

كما تُظهر النظريات الاجتماعية-الثقافية أن المعنى يُبنى من خلال اللغة والحوار، وأن التفكير يتشكّل عبر التفسير والمناقشة، لا عبر الاستجابة السريعة أو النموذج الواحد الصحيح. فالتعلّم ليس عملية استقبال، بل ممارسة تفسير وبناء دلالة.

في هذا السياق، تصبح اللغة أداة مركزية لبناء المعنى، لا مجرد وسيلة عرض.

المعنى في الممارسة التربوية

عندما يكون المعنى نقطة البداية، يتغير منطق التصميم التعليمي جذريًا.يبدأ التخطيط من الفكرة أو المفهوم الذي نريد بناءه، لا من الصفحة أو النشاط. وتُصمَّم التقييمات للكشف عن الفهم والتفسير، لا مجرد الاسترجاع أو الإتقان الشكلي.

في الصف، يتجلّى ذلك في:

  • أسئلة مفتوحة تدعو إلى التفسير والتحليل

  • حوارات صفية تتيح تعدد الفهم لا توحيده قسرًا

  • مهام تُظهر التفكير لا النتيجة فقط

وعلى مستوى القيادة التربوية، يتحول الحوار المهني من متابعة التنفيذ إلى مناقشة جودة الفهم وعمق التعلّم.

المعنى في الثقافة العربية والإسلامية: إسهام معرفي أصيل

إذا ترسخ المعنى بوصفه قضية تربوية عامة، فإنه من الأهمية بمكان النظر في كيفية معالجة هذا المفهوم في الثقافة العربية والإسلامية، لا بوصفه خصوصية ثقافية، بل بوصفه إسهامًا معرفيًا مبكرًا في فهم طبيعة التعلّم.

في التراث اللغوي العربي، ميّز العلماء بوضوح بين اللفظ والمعنى، وعدّوا المعنى غاية الكلام ومقصده. يبيّن عبد القاهر الجرجاني في كتابه دلائل الإعجاز أن المعاني تسبق الألفاظ في الذهن، وأن جودة التعبير لا تُقاس بالصياغة وحدها، بل بقدرتها على حمل المعنى وإيصاله.هذا التصور يضع المعنى في مركز الفهم اللغوي، لا في هامشه.

وفي الفكر الإسلامي، لا يُنظر إلى العلم بوصفه جمعًا للمعلومات، بل بوصفه فهمًا يقود إلى أثر. يفرّق الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين بين علم يقتصر على اللسان، وعلم يرسخ في القلب ويُثمر عملًا، في إشارة واضحة إلى أن المعرفة بلا معنى معرفة ناقصة.

كما يقدّم ابن خلدون في المقدمة رؤية تربوية نقدية حين يحذّر من الإكثار من المسائل دون تمهيد للفهم، مؤكدًا أن التعليم القائم على الحفظ وحده يرهق الذهن ويضعف القدرة على التعلم. ويؤكد أن التدرّج وبناء الفهم شرط لنمو العقل.

هذه الإسهامات لا تقف خارج النقاش التربوي المعاصر، بل تتقاطع معه بعمق، وتضيف إليه بعدًا إنسانيًا وثقافيًا غنيًا.

دلالات للمعلم والقائد التربوي

وضع المعنى في مركز التعلّم يفرض تحوّلًا في الدور المهني.فالمعلم لا يُطلب منه فقط أن يشرح، بل أن يهيّئ شروط بناء المعنى.والقائد التربوي لا يكتفي بمتابعة التنفيذ، بل يتحمل مسؤولية حماية الرؤية التعليمية من الاختزال الإجرائي.

يتطلّب ذلك:

  • الثقة بالحكم المهني

  • إتاحة مساحات للتأمل

  • قراءة نواتج التعلّم قراءة تفسيرية، لا رقمية


ختاماً فإن المعنى ليس مفهومًا ثقافيًا خاصًا، ولا فكرة تربوية طارئة، بل مبدأ إنساني عابر للسياقات.وعندما يُعاد وضعه في مركز تصميم التعلّم، يصبح التعليم أكثر صدقًا، وأكثر قدرة على بناء الفهم، وأقرب إلى غايته المعرفية والإنسانية.

 
 
 

Comments


  • Linkedin
  • Youtube
bottom of page