top of page
Search

تطوّر الفهم في التعلّم: من وهم التقدّم إلى رسوخ المعنى


حين لا يكون التقدّم دليلًا كافيًا

في الممارسة التعليمية اليومية، يسهل الوقوع في الخلط بين التقدّم والفهم. فكل حركة إلى الأمام تُفسَّر غالبًا على أنها نمو، وكل إنجاز يُحسب دليلًا على تعلّم ناجح. غير أن هذا التصور، على شيوعه، لا يصمد طويلًا أمام السؤال البسيط:هل ما تقدّمنا فيه قد استقرّ في الفهم فعلًا؟

كثيرًا ما ينتقل المتعلّم بين موضوعات ومهام مختلفة، ويُظهر قدرة على الأداء، ثم لا يلبث أن يتعثر عند إعادة استخدام ما تعلّمه أو ربطه بسياق جديد. هنا يتبيّن أن التقدّم، رغم حضوره، لم يُنتج فهمًا راسخًا، بل معرفة سريعة الزوال.

الفهم لا يتراكم… بل يتشكّل

الفهم في التعلّم لا ينمو بطريقة تراكمية بسيطة، كما تُضاف اللبنات فوق بعضها. بل يتشكّل عبر إعادة تنظيم المعنى، والعودة إلى الفكرة نفسها من زوايا متعددة، وفي أزمنة مختلفة.

يتطوّر الفهم حين:

  • تتغيّر طريقة النظر إلى الفكرة، لا مجرد معرفتها

  • يصبح المتعلّم قادرًا على تفسير ما يعرفه، لا تكراره

  • تُعاد صياغة المعنى كلما اتسع السياق

  • يتحوّل التعلّم من إجابة عن سؤال إلى سؤال عن الفهم نفسه

لهذا، لا يمكن اختزال تطوّر الفهم في الانتقال السريع بين موضوعات، بل في القدرة على الإقامة مع الفكرة زمنًا كافيًا حتى تستقر.

لماذا يظل الفهم هشًا رغم كثرة التعلّم؟

حين يُصمَّم التعلّم بوصفه سلسلة مهام تُنجز ثم تُغلق، يُدفع المتعلّم إلى التعامل مع المعرفة بوصفها مؤقتة. كل مهمة لها بداية ونهاية، وكل درس يُستبدل بغيره بسرعة. في هذا السياق، لا يُتاح للفهم أن ينمو، بل يُطلب منه أن ينجز.

الفهم الهش لا ينتج عن ضعف المتعلّم، بل عن بنية تعليمية تُكافئ الحركة أكثر مما تُكافئ الترسّخ، وتحتفي بالإنجاز الظاهر أكثر من بناء المعنى.

تطوّر الفهم في الممارسة التعليمية

حين يُعاد الاعتبار لتطوّر الفهم بوصفه غاية، يتغيّر منطق التعليم.

يصبح السؤال:ما الفكرة التي نعود إليها؟كيف تتطوّر؟وأين يتّسع معناها؟

في الصف، يظهر ذلك في:

  • أسئلة تُفتح ولا تُغلق سريعًا

  • مهام تسمح بإعادة التفكير، لا الاكتفاء بالإجابة

  • وقت مخصّص للربط بين ما كان وما هو آتٍ

وفي التقييم، لا يُقرأ الأداء بوصفه نهاية، بل لحظة في مسار أطول من تشكّل الفهم.

المعنى والترسّخ في الثقافة العربية والإسلامية

لم يكن التعلّم في الثقافة العربية والإسلامية مرتبطًا بالانتقال السريع أو الإكثار من المسائل، بل ببناء الملكة وترسيخ المعنى. وقد تنبّه العلماء مبكرًا إلى أن الفهم لا يُستعجل.

يبيّن ابن خلدون أن العلم لا يُحصَّل دفعة واحدة، وأن إلقاء المسائل قبل نضج الفهم يُفسد العقل ولا يبنيه. ويرى أن التدرّج والعودة إلى المعاني شرط لاكتساب الملكات.

وفي التراث اللغوي، لم يكن الاهتمام موجّهًا إلى اللفظ في ذاته، بل إلى المعنى الكامن وراءه. فالفهم عند عبد القاهر الجرجاني لا يتحقق بظاهر الكلام، بل بإدراك العلاقات بين المعاني، وهو إدراك لا ينشأ إلا عبر التدرّب والتأمّل والعودة المتكررة.

حتى في التعليم التقليدي، كان الحفظ يُنظر إليه بوصفه مدخلًا للفهم، لا غاية مستقلة عنه. وكان التكرار وسيلة لترسيخ المعنى، لا لقياس السرعة.

هذه الرؤية تضع تطوّر الفهم في صميم العملية التعليمية، لا على هامشها.

مسؤولية المعلم والقائد التربوي

إذا كان تطوّر الفهم غاية، فإن حماية هذا المسار تصبح مسؤولية مهنية.

المعلم مطالب بأن:

  • يبطئ حين يحتاج الفهم إلى بطء

  • يعود إلى الأفكار بدل تجاوزها

  • يقرأ تردّد المتعلّم بوصفه مرحلة، لا ضعفًا

أما القائد التربوي، فدوره أن يحمي هذا العمق من ضغط الإنجاز السريع، وأن يميّز بين تعليم يُنتج حركة، وتعليم يُنتج فهمًا.

تأمل أخير

ليس كل تقدّم نموًا، وليس كل إنجاز فهمًا.تطوّر الفهم عملية هادئة، تتطلّب زمنًا، وعودة، وصبرًا على المعنى حتى يستقر.

وحين يُبنى التعلّم على هذا الأساس، يصبح التقدّم علامة على رسوخ الفهم، لا بديلاً عنه.

وفي التأمل التالي ننتقل إلى سؤال الدليل: كيف نعرف أن الفهم قد ترسّخ فعلًا؟

 
 
 

Comments


  • Linkedin
  • Youtube
bottom of page